السيد عبد الأعلى السبزواري
195
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تحت إرادة مدبّر فيها ، والحركة بما شاء وأراد ، فهو من جميع ذرات الكون معيّة قيوميّة مدبّر لها بالربوبيّة العظمى ، التي لا يعزب عنه شيء في السماوات والأرض . وهذه الحركة بهذا المعنى عامّة لجميع مخلوقاته ، وهي صحيحة ، وممّا اتّفقت عليه الكتب السماويّة وكلمة الأنبياء وكلمات جمع من الفلاسفة المتألّهين . وأما الحركة التي ذكرها بعض الفلاسفة الطبيعيّين ، وهي الحركة في الطبيعة والمادة فحسب ، وقالوا إنها ذاتيّة لها والذاتي لا يعلل ، فإن أرادوا أنها واجبة بالذات فهو باطل بالضرورة ، وإن أرادوا أنها تحت قدرة اللّه تعالى فهي قسم من تلك الحركة التي ذكرناها آنفا . بحث قرآني : لا ريب في أن نظام هذا العالم يتقوّم بترتب العلل والمعلولات المتتالية وغيرها ، وهذه السلسلة لا بد أن تنتهي إلى اللّه تعالى ، الذي تكون أزمّة الأمور تحت إرادته ، والإنسان مسخّر ومقهور تحت قوى فعّالة ، منها قدرة اللّه تعالى وإرادته التامّة ، فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ومنها قوى الطبيعة التي قلّ ما يسلم أحد من آفاتها وعاهاتها . ومنها النفس الأمّارة بالسوء والشيطان الرجيم الذي لا يسلم منه أحد . فالإنسان قرين هذه القوى وإن كانت جميعها مقهورة تحت قدرة العزيز الجبّار ، وهذه الآية الشريفة ونظائرها شاهدة على ذلك ، فإن قوله تعالى : بِيَدِكَ الْخَيْرُ ، يدلّ على انتهاء الوسائط إليه عزّ وجلّ ، ولكن ذلك لا ينافي أن تكون المسبّبات والنتائج مترتبة على الأسباب ، وقد جرت عادته عزّ وجلّ على إجراء الأمور بأسبابها التي لها دخل في تحقّقها ، وعلى الإنسان أن يعد الأسباب الظاهريّة التي تكون دخيلة في حصول المسبب ، ثم تفويض الأمر إليه في الجهات التي تقصر عقولنا عن الإحاطة بها ، وقد دلّت على ذلك آيات كثيرة ، قال تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ سورة النجم ، الآية : 39 ] ، وقال تعالى : وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [ سورة القصص ، الآية : 77 ] ، وهذا هو التوكّل الذي